ساسي سالم الحاج
45
نقد الخطاب الاستشراقي
نستنتج من الأقوال السابقة أن الغرض الأساسي من ترجمة القرآن الكريم هو معرفة الإسلام والاطلاع على مبادئه وعقيدته حتى يتمكن المسيحيون من محاربته لأنه يجسد خطرا على الناس العاديين الذين يتأثرون به فيعتنقونه . فوجب التنبيه إلى هذا الخطر . وإظهار هذا الدين بمظهر مناف للتعاليم المسيحية السمحة التي تتفوق عليه - حسب رأي بطرس المبجل - كما أن الغرض الأساسي هو محاولة تنصير المسلمين وردهم عن دينهم ، باعتبارهم من المضللين الذين تركوا الديانة المسيحية الصحيحة واعتنقوا هذا الدين الذي هو عبارة عن هرطقة مسيحية أي خروج عن تعاليم الديانة المسيحية واعتناق دين آخر لا يضاهيها في تعاليمها وسماحتها . وهكذا اتخذت الدراسات الإسلامية في أوروبا منذ بدايتها الوجهة التبشيرية الصرفة ، وأهم الأدوات التي تساعد على تحقيق هذا الهدف هم المتخصصون في هذه الدراسات لمحاربة الإسلام بالحجة والفكر والبرهان . وبتتبعنا للسرد التاريخي لهذه الحقيقة التي نؤرخ فيها للعلاقة بين المسيحية والإسلام ، فإن أهداف التبشير التي سعى إلى تحقيقها الرهبان لا تتحقق إلّا إذا تعلم المبشرون الأداة التي توصل أفكارها للمسلمين والتي تتمثل في اللغة العربية ، لأن آمال بطرس المبجل في هداية المسلمين إلى محاسن المسيحية بقيت حبيسة اللغة اللاتينية ، ومن هنا جاءت الدعوة لتعلم اللغة العربية للاطلاع على الثقافة المدونة بها بغية تمثلها أولا ، واستيعابها ثانيا ، ومحاربة الإسلام بها ثالثا . إن الاستشراق في بداية أمره ما هو إلّا أداة من أدوات التبشير ، فسعى الرهبان والقساوسة إلى تعلم اللغة العربية ، والتضلع في الدراسات الإسلامية بغية فهم هذا الدين ثم نقضه من أساسه ورد أتباعه إلى ديانتهم . وهكذا انتشر تعليم اللغة العربية في الجامعات والمدارس الأوروبية ، وأنشئ العديد من المطابع العربية لطباعة الذخائر العربية ، كما تخصص آخرون باللغات الشرقية الأولى كالعبرية والفارسية لفهم العهد المقدس ، بغية مقارعة فقهاء المسلمين والرد عليهم بأدلة وبراهين مستقاة من الكتب الإسلامية أولا ، وكتاب العهد القديم الذي يعتبرونه أساسا للديانتين اليهودية والمسيحية التي أطلقت عليه « العهد الجديد » ثانيا . فتأسست أولا المدارس العربية بمدينة « ريمس » بفرنسا بأمر البابا سلقستر الثاني - كما أشرنا آنفا - وأنشأ البابا « هونوريوس الرابع » معهدا لتعليم اللغات الشرقية عام 1285 ، وقضى البابا « كليمانس الخامس » في مجمع فيينا عام 1311 بإنشاء كراس للعربية والعبرية والكلدانية في باريس وروما وأكسفورد